أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

517

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : أَيُّهُمْ أَشَدُّ . في هذه الآية أقوال كثيرة ، أظهرها عند الجمهور من المعربين ، وهو مذهب سيبويه : أنّ « أَيُّهُمْ » موصولة بمعنى الذي ، وأن حركتها حركة بناء ، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر ، و « أَشَدُّ » خبر مبتدأ مضمر ، والجملة صلة ل « أَيُّهُمْ » ، و « أَيُّهُمْ » وصلتها في محل نصب مفعولا بها بقوله : « لَنَنْزِعَنَّ » ، ول « أيّ » أحوال أربعة : أحدها : تبنى فيها ، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها ، ومثله قوله : 3278 - إذا ما أتيت بني مالك * فسلّم على أيّهم أفضل « 1 » بضم « أَيُّهُمْ » وتفاصيلها مقررة في موضوعات النحو ، وزعم الخليل - رحمه اللّه - أنّ « أَيُّهُمْ » هنا مبتدأ ، و « أَشَدُّ » خبره ، وهي استفهامية ، والجملة محكية بالقول المقدر ، والتقدير : لننزعن من كل شيعة المقول فيهم أيهم أشد ، وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر : 3279 - ولقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم « 2 » قال : تقديره : قأتيت يقال في لا حرج ولا محروم . وذهب يونس إلى أنها استفهامية مبتدأ ، وما بعدها خبرها كقول الخليل ، إلا أنه زعم أنها معلقة ل « ننزعن » فهي في محل نصب ، لأنه يجوز التعليق في سائر الأفعال ، ولا يخصه بأفعال القلوب كما يخصه بها الجمهور . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون النزع واقعا على « مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ » كقوله : « وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا » ، أي : لننزعن بعض كل شيعة ، فكأنّ قائلا قال : من هم ؟ فقيل : أيّهم أشدّ عتيّا » . فجعل « أَيُّهُمْ » موصولة أيضا ، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين هم أشد . قال الشيخ : « وهذا تكلف ما لا حاجة إليه ، وادعاء إضمار غير محتاج إليه ، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين » . وحكى أبو البقاء عن الأخفش ، والكسائي أنه مفعول « لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ » ، و « مِنْ » مزيدة ، قال : « وهما يجيزان زيادة « مِنْ » و « أَيُّهُمْ » استفهام ، أي : لننزعن عن كل شيعة ، وهذا يخالف في المعنى تخريج الجمهور ، فإنّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض ، وهذا يؤدي إلى العموم ، إلّا أن يجعل « مِنْ » لابتداء الغاية ، لا للتبعيض ، فيتفق التخريجان . وذهب الكسائي إلى أنّ معنى « لَنَنْزِعَنَّ » لننادين فعومل معاملته ، فلم يعمل في « أيّ » . قال المهدوي : « ونادى يعلق إذا كان بعده جملة نصبت فتعمل في المعنى ولا تعمل في اللفظ . وقال المبرد : أيّهم متعلق ب « شِيعَةٍ » فلذلك ارتفع ، والمعنى : من الذين تشايعوا أيهم أشد . « كأنهم يتبادرون إلى هذا ، ويلزمه أن يقدر مفعولا ل « لَنَنْزِعَنَّ » محذوفا ، وقدّر بعضهم في قول المبرد من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد ولعل وجه الرفع حينئذ أن نظروا بمعنى فكّروا ، وقد علّق عن العمل لفظا لكونه من أفعال القلوب فتأمل . قال النحاس : وهذا قول حسن ، وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا . قلت : وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق ، ولا يبين الناقل عنه وجه الرفع على ماذا يكون . وبينه أبو البقاء لكن جعل « أَيُّهُمْ » فاعلا لما تضمنته « شِيعَةٍ » من معنى الفعل ، قال : « التقدير : لننزعن من كل فريق يشيع أيهم ، وهي على هذا بمعنى الذي » . ونقل عن الكوفيين أنّ « أَيُّهُمْ » في الآية

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت للأخطل انظر ديوانه ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 84 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 147 ) ، الإنصاف ( 2 / 710 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 80 ) ، الخزانة ( 6 / 139 ) ، شرح ديوان الحماسة ( 1 / 80 ) ، البحر المحيط ( 6 / 208 ) ، روح المعاني ( 16 / 120 ) .